الأربعاء، 22 يناير 2014

دولة العرب : وجهة نظر

"لم لا تتحدون أنتم العرب و تلقنون إسرائيل و أمريكا درسا لا ينساه التاريخ ؟" - صديق أمريكي يتساءل ثملاً

ابتداءً، يجب أن أشيد حقيقة بالمجهودات الفردية لمن قد أسميهم بـ "القوميين الجدد" في إحياء موضوع كنا قد اعتقدنا أنه اندثر إلى غير رجعة ألا و هو حلم العرب السياسي في تكوين دولة لهم مستقلة تمتد أطرافها من عربستان (الأحواز) شرقاً إلى المغرب العربي غرباً، و هو -إن سألتني عزيزي القارئ- حلم مشروع، فالعرب -إن لم أكن مخطئاً- هم أكبر فئة عرقية لا تتمتع بحق دولة سيادية مستقلة من باب تقرير المصير، و ليس "الأكراد" كما كان يروج الصحفي و الملحد المخضرم البريطاني-الأمريكي كريستوفر هيتشنز (ت. 2011).

و لكن، و حتى لا ينتشي البعض أو يستاء البعض الآخر، فأنا قد لا أُوصف بـ "العروبي" أو "القومي"، و إنما خليط من أشياء و أفكار أخرى، و لكن النقاش المحتدم مؤخرا في شبكات التواصل الاجتماعية حول موضوع "الدولة القومية في سياقها العربي" كان يقع بالجوار مني بشكل دعاني للتأمل في الموضوع و الخوض فيه مع بعض الأصدقاء القوميين و الذين أشرت عليهم ببعض النقاط المقلقة في مشروعهم، فما كان منهم إلا الطلب مني -و من أمثالي- المشاركة بلفت النظر و النقد و محاولة علاج المشاكل و طرح الحلول المتعلقة بمشاريع الفكر العروبي، و قد أحسنوا !

و لذلك، سأحاول من خلال هذه المقالة البسيطة استعراض بعض المآخذ، أو لنقل، استعراض بعض الاقتراحات المتواضعة بشأن المشروع القومي العربي، و الذي لا أراه بالضرورة باطلاً أو مستحيلاً خصوصا إذا ما تفحصنا واقع العرب السياسي و المستقبل المجهول.

أولاً، الملاحظ للخطاب القومي الجديد يجد أنه خطاب متلهف، غاضب، مستنجد، و ليس خطابا ينم عن "ترف فكري" يدور في الصوالين الثقافية، و هذه الصفات المصاحية للخطاب مفهومة جدا إذا ما تفهمنا العوامل التي أدت إليها، فما هي تلك العوامل ؟

هي عوامل، و لكن هناك عامل واحد من وجهة نظري هو العامل الأهم و الأبرز و هو : العوامل السياسية الخارجية المحيطة بالعرب : إيران تحتل الأحواز العربية و جزر الإمارات و تعبث بالعراق و اليمن و لبنان و سوريا و تحلم بامبراطورية فارسية نووية جديدة توظف فيها "التشيع" و "نصرة فلسطين" لخدمتها. أمريكا حدث و لا حرج فهي تعبث بالمنطفة العربية منذ عقود فهي الشيطان الأكبر، و طبعاً هناك ورم خبيث ينمو في أحشاء الوطن العربي و يُعرف بإسرائيل يحتل فلسطين و الجولان و جزر سعودية !

حال عربي مؤسف بشكل يدعونا لتفهم الدعوات القائلة باتحاد العرب (و هو اتحاد لن يسر الكثير)، و لكن لا بد من التنبيه لبعض النقاط، فمشروع القومية ليس بجديد و قد باء باخفاقات كارثية. هاكم ما أرى :

باعتقادي أن اللهجة الطاغية على الخطاب العروبي -و إن تفهمناها ابتداءً- يجب ألا تطغى على أسس و قيم الدولة المستقبلية. الدولة التي تقوم على "الخوف و الذعر من الآخر" لا يمكن أن تنجح في سياستها الداخلية و لا حتى الخارجية و النتيجة فشل ذريع، و هذا باعتقادي ما حصل لدول الرعيل العروبي الأول. الدولة التي تقوم على الخوف و التوجس من الآخر (حتى لو كان ذلك التوجس مشروعاً) تجنح بالعادة أكثر من غيرها إلى الانزلاق إلى وحل الديكتاتورية و الطغيان بدعوى حفظ مصالح الأمة، و هي دعوى فيها خطر عظيم !

أي دولة ذات سيادة مستقلة تمر بمراحل تختلف فيها سياساتها المتبعة في إدارة شؤونها، فهناك مرحلة سلام و بناء (و هي القاعدة) و هناك مرحلة حرب و عداء (و هي الشذوذ). الوضع السياسي الراهن للعرب يجعل من السهل جدا -و ربما بشكل غير واعي- قيام الدولة على أسس الحالة الشاذة و ليس القاعدة، و هذا لا بأس به، لكن المشكلة أن ظروف الحرب تحتم سياسات استثنائية تحد من قيمة الفرد و من حريته بشكل دكتاتوري يمكن تفهمه أثناء ظروف الحرب، و لكن ليس أثناء فترات السلم. حتمية هذه السياسات الاستثنائية تجعل منها قاعدة ثابتة تهدد -ليس فقط حياة الفرد و حريته- و إنما أي شكل من أشكال المعارضة للدولة !

ما أقترحه هو قيام دولة العرب في دستورها/أسسها (سمها ما شئت) على نوع من "حجاب من الجهل" بالأوضاع الراهنة المحيطة بها. يجب أن تقوم تلك الدولة على القاعدة و ليس على ما شذ كما لو كانت في حالة رخاء و سلم، و ليست في حالة "طوارئ"، فالطارئ هو ما شذ عن القاعدة و ما لم يثبت. بهذه الطريقة يمكننا على الأقل حماية الحريات الفردية و حقوق الإنسان و موازنتها مع أهداف و مصالح الأمة العامة.

الأمر الآخر هو ضرورة أن يكون الفكر العروبي أكثر مرونة و براغماتية فالغاية هنا تبرر الوسيلة. لا بد من التفريق بين "الفكرة" و "وكيل الفكرة" و اتخاذ أساليب منطقية في الحكم على الأفكار، فـ "فكرة عدوي ليست بالضرورة عدوي". يجب التحرر من أدبيات الخطاب العروبي القديم في معاداة كل ما هو أمريكي على سبيل المثال. أمريكا ليست مقياس أخلاقي للحكم على الديمقراطية مثلا أو الرأسمالية. هذا النوع من التفكير اللامنطقي فشل و سيظل يفشل لأنه لا يحكم على الأفكار في ذاتها و إنما فيمن يمثلها في مغالطة صريحة لأبسط قوانين المنطق.

الاثنين، 17 ديسمبر 2012

طبيعة الدين و المشهد الإسلامي

"الميم هو عبارة عن فكرة قابلة للانقسام و التكاثر." - دانيال دنيت

يتفق الكثير على أن العلم الطبيعي لم يصادف فكرة هزت أركانه كفكرة "التطور البيولوجي" للسير تشارلز داروين، و الذي أحب أن ألقبه بـ "شيخ البيولوجيين".

بل إن هذه الفكرة العظيمة تخطت حدود مملكة العلم الطبيعي -البيولوجيا على وجه التحديد- لتزحف على قلاع المعرفة الإنسانية بما حوت من فلسفة، سياسة، علم نفس، علم اجتماع، علم إنسان، و غير ذلك. دانيال دنيت -الفيلسوف الأميركي المُقتبَس أعلاه- قد ذكر ذات مرة بأنه لو استطاع أن يمنح جائزة للفكرة الأكثر عبقرية في تاريخ البشرية، لمنحها -و بدون تردد- لتشارلز داروين و فكرة التطور متقدماً على جاذبية نيوتن و نسبية آينشتاين !

هذه التدوينة ليست لاستعراض هذه الفكرة الفذة على وجه الخصوص -و إن كانت تستحق ذلك-، و إنما لاستكشاف جانب واحد من أحد جوانبها المثيرة.

في السبعينيات من القرن المنصرم، ضج المجتمع العلمي و الفلسفي بالكتاب الأول للبيولوجي اللامع "ريتشارد دوكنز" -المحاضر آنذاك بجامعة أوكسفورد العريقة- و الذي حمل العنوان الرنّان "الجين الأناني". حاول دوكنز في هذا الكتاب تقديم تفسير غير تقليدي لسلوك الكائنات الحية -و بخاصة الحيوانات و النباتات- في ظلال نظرية التطور. الكتاب رائع للغاية و قد أحدث ثورتين فكريتين بالنسبة لي أحدهما علمية بيولوجية، و الأخرى فلسفية، و هي ما أود استعراضه في هذا السياق.

خصص دوكنز فصلاً من كتابه لما أطلق عليه مسمى "الميم" و المُعرّف باختصار و ذكاء في اقتباس دنيت أعلاه. بدى لدوكنز أن هناك قانوناً للتطور يخص الميمات أو الأفكار شبيها بذلك الطبيعي البيولوجي الآخر الذي يحدد مصائر الجينات ! الفكرة -كما يقرر دوكنز- تولد إلى عالم يسوده الصراع و تقطنه أفكار أخرى تسعى نحو النجاة بالتكاثر و الانقسام من فرد إلى آخر. الأمر ذاته ينطبق إلى حد بعيد على المورّثات (الجينات) و التي تحاول الاستمرار ضمن هذا التنافس المحموم أيضا بالتكاثر و الانقسام من فرد إلى آخر بغض النظر عن الآلية المختلفة طبعاً بين الميم و الجين. و لذلك، نلاحظ أن المسمى الذي منحه دوكنز لـ "الفكرة" هو "ميم" على وزن "جين" كما يشرح هو في كتابه.

لنأخذ "الدين" على سبيل المثال و لنتحدث عن الإسلام على وجه الخصوص بحكم سيادته في بيئتنا. إذا اختزلنا الإسلام ككُل، فإننا نجد بأنه هو الآخر مجرد "فكرة"، و هذا ليس له علاقة بالقدسية لأن صفة "الميمية" تلك تنطبق عليه على أية حال كما سأحاول أن أوضح. إن أبسط صورة للإسلام هي أنه عبارة عن فكرة أتت إلى عالم يسوده الصراع و التنافس بين الكثير جداً من الأفكار من أجل الاستمرار و النجاة.

نلحظ على المستوى البيولوجي أن الكائن الحي يأتي إلى عالم مشابه تسوده صراعات -حسب نظرية الجين الأناني- بين أفراد هم أشبه بـ "آلات نقل و توزيع للجينات التي تسكنهم" و الهدف الأساسي هو الأخذ بيد الفرد إلى أبعد مرحلة زمنية ممكنة و كافية لتمكينه -على الأقل- من التكاثر و الانتاج، و بالتالي دفع تلك الجينات إلى أفق أبعد. نجاح هذه المهمة أو فشلها يعتمد على عوامل كثيرة أهمها -في هذا السياق- هو مدى "تكيف" الفرد في بيئته. و هذا عامل يعتمد على ماهية الجين و نوعه. أما القول الفصل هنا فهو لـ "الانتخاب الطبيعي" و الذي -و بشكل غير واعٍ- يؤدي إلى نجاة أفراد دون آخرين أو تركهم لذرية تفوق في عددها ذريات غيرهم، فإما الخلود و إما الفناء !

لنعد إلى مثال الإسلام. ما تم طرحه في القطعة السابقة ينطبق -و بشكل مثير للغاية- على الإسلام أو الدين كفكرة. الإسلام هو ثاني أكبر ديانة في عدد الأتباع على مستوى العالم و إن كان لنا في هذا أي دلالة فهي أن الإسلام هو فكرة منافسة، بل و متفوقة جداً في عالم صراع الأفكار -على الأقل حتى الآن-، و هذا باعتقادي هو سبب رئيسي -و ليس الوحيد- للسيادة المضطردة و الهائلة للإسلام على غيره من "أفكار" خلال مراحله المبكرة و خلال العصور الوسطى حين أصاب الأفكار الأخرى -إن شئت- كسوفاً ذهب بشعاعها.

إلا أني أخشى أن عالم الأفكار ذلك -تماماً كالطبيعة- هو الآخر غير متحيز و لا يهمه شأن فكرة دون أخرى. كنا قد قررنا أن الفرد في العالم الطبيعي يتحدد مصيره -أو مصير مورثاته بشكل أدق- على مدى توافقه و بيئته و مدى ملائمتها له أو ما يسمى بـ "التكيف" و هو ركن من أركان الانتخاب الطبيعي و التطور بشكل عام. نجد أن عنصر التكيف ينطبق أيضا هنا في عالم الميمات، ففرص استمرار و تكاثر فكرة معينة مرهونة بمدى لياقة تلك الفكرة و ملائمتها و تكيفها مع بيئتها في بعديها الزماني و المكاني.

و الآن، إن قبلنا باستنتاجنا أعلاه، فإن السؤال يصبح : ما مدى تكيف الإسلام السائد مع بيئته ؟ و قبل أن نجيب، هنا نقطتان مهمتان جداً ! الأولى هي أن التكيف يستلزم و يستوجب "التغير" ! الثانية هي أن التكيف -على المستوى الطبيعي/الفكري- يقع على عاتق الفرد/الفكرة و ليس على البيئة ! كلا و إطلاقا ! و الاعتقاد بغير ذلك هو من السخف و السذاجة، بل من الجهل.

و لإجابة السؤال أعلاه، فإن الإسلام يبدو لي أنه يعاني و يخسر حاليا الكثير من لياقته. البيئة الفكرية -كالطبيعية- تتغير و تتبدل و لكن يبدو أن فكرة الإسلام -مُمثلَة بوكلاء تكاثرها (المسلمين)- ترفض مسايرة ذلك التغير و بالتالي ترفض التكيف و الذي هو ركن التطور الفكري، فمقاومة التغير تعني مقاومة التكيف و الذي بدوره يعني مقاومة و رفض التطور. ليس هذا فحسب، بل إن الكثير من المسلمين يرفضون التكيف مع بيئتهم و يصرون على تكيفها هي معهم ! أكاد أجزم أن عقلية كهذه تؤدي إلى فناء الفكرة (الإسلام) و اندثارها.

لذلك، فإن الإسلام كفكرة هو أمام مفترق طرق : إما أن يعتنق التكيف و معطيات البيئة الزمانية و المكانية من أجل الاستمرار و النجاة و إما أن يرفض ذلك بحجة التمسك بإرث معين مزعوم يؤدي إلى خسارة أتباعه حتى تلفظ الفكرة الإسلامية أنفاسها الأخيرة. هي معضلة لا حل وسط لها في التاريخ و لا آخر يلوح في الأفق و بإمكاننا التحقق من ذلك و ببساطة إذا ما درسنا و تفحصنا تاريخ تطور الأديان الأخرى. المسيحية اليوم -على سبيل المثال- هي بالتأكيد ليست مسيحية الأمس.

و كما نُسب لفيكتور هوغو، فإنه لا يوجد جيش أقوى من فكرة حان وقتها. و قد بدأ البعض من المفكرين الإسلاميين بتحسس الخطر و محاولة التفاعل معه و الاستجابة له و هم من سيظهر في النهاية لإدراكهم ذلك.

أدرك أن ما طرحته في هذه التدوينة قد لا يكن جديداً فيما يخص لزوم تكيف الإسلام و محيطه، و لكن ما يهمني هو هذا التوازي العجيب على المستويين الفكري و الطبيعي فيما يخص استمرار و نجاة وكلائهما و الآلية المحددة لذلك، و محاولة استخدام ذلك لعرض أزمة ضرورة تطور الإسلام ضمن قالب أكثر احترافية يقدم تشخيصاً حقيقياً يمكننا من خلاله التنبؤ و قراءة المستقبل إلى حد ما، و ليس ضمن خطاب غير ناضج يقم في غالبه على تذمر لا يعلم ما يريد. 

الجمعة، 27 يوليو 2012

الركن السادس ؟

" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..." - آل عمران : 110

لطالما غردنا و أنشدنا نحن المسلمون بأننا أفضل أمة أو -لنوافق الآية أعلاه- "خير" أمة على سائر أمم البشرية و ذلك بما خصّنا الله به من نزعة فطرية نحو أمر بمعروف و نهي عن منكر قد غابت عن تلك الأمم الأخرى -لنقُل- السيئة الحظ. لقد امتاز الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في مشهدنا المسلم -و خصوصاً السعودي- و حاز على حظوة عظيمة حتى كاد أن يكون ركناً سادساً مكملاً للخمسة قبله المقوّمة للإسلام. 

و لكن يجب أن أقر -كما يجب أن تُقر أنت عزيزي القارئ- بأن أبسط عينان ملاحظتان لوضع هذه الأمة يجعل من صفة "الخيرية" هذه موضع شك و تساؤل على أقل تقدير. و هذا أمر في الحقيقة لا يتطلب جهداً بالغاً لإدراكه. و هذا ما جعلني أتساءل عن معنى هذه الآية بشكل غير تقليدي و عرضها على ذاتي بطريقة "عقلانية فلسفية". لذلك، أنا هنا لا أنوي تسليط الضوء على هذه المسألة من ناحية "تشريعية" تنشد تحليلاً أو تحريماً.

"انصح نفسك" أو "ليش أنت ما تصلي؟" هي عبارات قد تلتقطها المسامع ضمن "حوارٍ راقٍ" بين فردين أحدهما على الأرجح ينتمي لجهاز الهيئة (الركن السادس بطبيعة مؤسساتية ؟). أنا أجزم بأن العبارات المماثلة قد ارتدت رداء البديهية حد البساطة حتى تم تعريتها من أي أبعاد فلسفية عميقة أحاول استعراضها هنا. 

العبارات أو الأسئلة المماثلة باعتقادي تستحق أن تقدَّم على طاولة النقاش الفلسفي البحت في منحى فلسفة الأخلاق. هذه عبارات تؤسس لنفور قد احتل -ربما- العقل الباطن لدى الفرد منا، و هو نفور مبرَر باعتقادي ينبع من احساسٍ بالتساوي على المستوى الأخلاقي بين الناصح و المنصوح، فكيف تأمرني بمعروف أنت يا ابن آدم الخطّاء ؟ لا يمكن إنكار شعور التقزز ذاك الناتج عن المحاضرات الأخلاقية "المقدسة" و المبطّنة بـ "تفوق أخلاقي" قد حازه الناصح هنا قد يمر غير معبَّر عنه. 

هذا ما أدى بي -و بعد تأمل طويل- إلى الاعتقاد بأن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر -بهيئته المقدسة المحفوفة بالآية أعلاه- لا يمكن أن يكلَّف به إلا من "يفترض فيه العصمة". نعم، فرداً معصوماً و بشكل مُطلق يأمر بمعروف يعرفه و يؤديه على أكمل وجه و ينهى عن منكر لا يرتكبه إطلاقاً.

و أنا هنا لا أتحدث عن النصح و الإرشاد و الذي قد يقابله الفرد منا على أسس يومية أو شبه يومية. أنا لا أتحدث عن حملات توعية مدنية مثلاً. محور حديثي هنا هو "التوجيه الأخلاقي الذي يحظى بمباركة إلهية".

و كما يقول باولو كويلو، "عندما تعزم على فعل أمر ما، فإن الكون بأكمله يعمل معك على تحقيقه". و كان تأملي لهذا الموضوع قد توازى -يا للمصادفة- و حدثين مهمين. الأول كان تصريحاً دفاعياً من رئيس هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قبل عدة سنوات -لا يحضرني اسمه للأسف- يؤكد فيه بأن عمل أفراد الهيئة هو "عمل الأنبياء"، و أنا هنا أتفق معه تماماً، فالأنبياء يُفترض فيهم العصمة، أ ليس كذلك ؟

الحدث الآخر هو تصفحي لأحد الكتب التشريعية لفرقة شيعية ترى أن لفظ "الأمة" الوارد في الآية يعود على "أئمة آل بيت محمد"، و ليس المسلمين كأمة جمعاء. هذا أمر -بالنسبة لي على الأقل- غاية في الأهمية خصوصاً إذا ما علمنا أن الشيعة بشكل عام ترى في محمد و الأئمة من أهل بيته العصمة المطلقة أيضاً !

يبدو لي أن العصمة تتلحف الأمر يا سادة من عدة جوانب، و هذا ما أود تقريره.

أعتقد أن محاولة دراسة هذا الموضوع من هذا الجانب قد تساعد في تخفيف الاحتقان المصاحب للركن السادس المُفترض و التقليل من مستوى "الشوفينية الأممية" و التي قد تكن مضللة خادعة، بل و معيقة في أحيانٍ كثيرة. 

الجمعة، 8 يوليو 2011

نعم لـ "مركزية الفتوى" !

كنت في الحقيقة أحد المرحبين بالقرار الحكومي القاضي بـ "مركزة" إصدار الفتاوى في هيئة كبار العلماء في السعودية. السبب خلف تصفيقي لذاك القرار هو اعتقادي الساذج بأن ذلك سيؤدي إلى "نضوج" الفتوى من خلال طبيعتها التي ستصبح مركزية و بعيدة عن التناسبية و التي تصل إلى مستويات مخجلة أحيانا تتناقلها وسائل الإعلام حين تعوز الكوميديا !

إلا أن حمدي و ثنائي ذلك كان ملحوقا باستنكار و إنكار من قبل البعض من المحسوبين على التيارات المتحررة -إذا سمحت لي عزيزي القارئ- لاعتقادهم بأن في ذلك تقوية للمؤسسة الدينية و قتل لفرص التداول و التناقش الفقهي و الأخذ و الرد مع ما سيكون "كاتدرائية" بنظام كهنوتي سلفي إسلامي ! (كما أن القرار استُهجن من قبل بعض السلفيين و سأشرح لماذا لاحقا).

لا أنكر حقيقة أنني و بعد اطلاعي على موجات الردود المعارضة تلك شعرت برغبة في ضرب رأسي و معاتبة عقلي، و لكني لم أعلم بأني كنت على حق في حمدي لذلك القرار و لكن للسبب الخطأ !

هنا حقيقة واقعية : رجل الدين في مجتمعنا -و من كل المذاهب- يسير بهالة قدسية فوق جمجمته لا تخطئها العين إلا أن رجل الدين السلفي الوهابي يتميز هنا و يتفوق إذا علمنا أنه يمثل السلطة الدينية للبلاد، فهو لا يسير بهالة قدسية و حسب، و إنما لديه الكثير من الأجنحة و الرماح و كأني أراه مطلياً على سقف كنيسة إيطالية تعود لعصر النهضة !

هذه الحقيقة تصيبني بالإحباط في مجتمعي. عندما يحصل كل إنتاج من رجل دين على تصريح دخول لعقل الفرد من دون أي تفحص أو تساؤل أو اعتراض فهذا يدل على خلل و شرخ عميق في ثقافة ذلك المجتمع لأنها ثقافة تغيب الفكرالتساؤلي بشكل عام و لكنها "تقدس" تغييبه أمام رجل الدين !

كنت دائما أفكر كيف يمكن تحطيم هالة القدسية تلك و إزالة الغشاوة عن المقدسين و إقناعهم بأن رجل الدين ليس سوى فرد من أفراد المجتمع يُشكر إن أحسن و يُنتقد إن أساء و أخطأ، و لكن لم يكن هناك من سبيل لأن المجتمع كان مخدرا حتى الضمور العقلي و لم تكن تفلح إلا محاولات بسيطة من قبل التيارات اللاإسلاموية و التي ما زالت تحاول حتى الآن.

علما بالحقيقة الواقعية المذكورة أعلاه، و بعد تفحص للتاريخ الأوروبي، استطعت أن استنتج أن قرار مركزية الفتوى هو قرار موفق -على الأقل بالنسبة لي- للوصول إلى الهدف المتمثل في هز القناعات المصورة لرجال الدين و كأنهم ملائكة لأن مأسسة المنطومة الدينية ضمن طبيعة كهنوتية تحت سيطرة السياسي هي ما سيقنع الناس أن الدين يتزامل و خاصية "مطلقة غير خاضعة للزمان و المكان" و هي أنه "لا يمتلك حصانة ضد التلاعب به" من قبل الآخرين ! (و بذلك خطوة نحو العلمانية و فصل الدين عن الدولة).

نعم يا سادة.

و لذلك، و إدراكا لهذه النجاحات للحركات الإنسانية، نرى الآن جنوح البعض من المنتمين إلى التيار السلفي الجامي -المنشغل بقضايا ذات طبيعة اجتماعية- إلى اتخاذ نزعات "إخوانية" للصعود و اللعب على مستوى المشهد السياسي، و ذلك لسببين :

أولاً : الفشل الذريع على المسرح الاجتماعي و عدم القدرة على استيعاب معطيات و تطورات العصر الملقية بظلالها على المجتمع و الذي بدأ يضيق ذرعا بذلك التيار و رموزه و خصوصا بعد 11 سبتمبر و الأحداث الإرهابية و الصعود القوي للتيارات المناوئة و التحالف المفرط مع السياسي مما كلف السلفيون جماهير كثيرة و رموزا مهمة أيضا.

ثانياً : هجر الدولة "الجزئي" للتيار السلفي بعد الأحداث المذكورة أعلاه و تأثر العلاقة الرومانسية بينهما و انحسار الحب و الغرام بشكل تدريجي.

لذلك -و هذا ما نسمعه و نراه من تلميح لرموز التيار السلفي- فإن شرعية الدولة تبدأ بالاهتزاز و ذلك طبقا لمبدأ "لعبوني و إلا بأخرب"، كما يبدأ السلفيون بالتوجه الآن نحو القضايا السياسية و "محاولة" التغاضي الطفيف عن المشهد الاجتماعي "الذي فشلوا فيه فشلا ذريعا" عن طريق تبني "خطابات الحقوق" الآن حتى يعكس الفرد السلفي صورة إيجابية عنه لـ "جذب الجماهير" التي خسرها سابقا و التي صارت تشهد السلبيات و المساوئ الجمة في قرن الدين بالسياسة.

لا شك أني أحيي كل حقوقي و كل مطالب بالحقوق و كل منادي بتطبيق القانون ضد التعسف و أرفع لهم العقال احتراما -إذا صح-، و لكن عندما أصفق لذلك الحقوقي المدافع عن المعتقلين ثم أجده بعد دقائق يشنع على ما يسميه "سفورا"، فإن هذا يجعلني أطرح الكثير من الأسئلة المشروعة عن دوافع هذا الشخص و أهدافه و خلفيته القانونية و التشريعية. الأمر ذاته ينطبق على المطالب بحقوق فئة دون فئة في استعراض مشوه لكسب الجماهير لا ينطلي على أمثالي.

لذلك، حتى يتم الطلاق بين الدولة و الدين، يجب أن يكون الزواج، و الشاطر يفهم. 

الأحد، 22 مايو 2011

عن الحرية !

"عن الحرية"، أو On Liberty هذا هو عنوان العمل الأشهر للسياسي الفيلسوف و المنطيق البريطاني السيد جون ستوارت مل. كنت قد أضفت هذا العمل إلى قائمة قراءاتي بعد أن طلبت مشورة محامٍ سعودي في إيجاد عمل يؤصل لليبرالية بدون تطبيل أو تزييف، و خصوصا أني مللت التلفيقات الدينية السلفية بشأنها و التمييع المتحرر السعودي لها، و قد أحسن السيد المحامي في إشارته لي بالاطلاع على هذا الكتاب و الذي أعتقد أنه يجب -و بدون مبالغة- أن يكون الانتاج الذي يلتمس منه الليبراليون الهدى و الرشاد في منهجهم !

أحاول في هذه التدوينة استعراض بعض الاقتباسات من الكتاب و التي أعتقد أنها essential أو أساسية في فهمنا لليبرالية مع محاولة ربط تحليلية لآراء شخصية إن استلزم الأمر.

يسطر مل قائلاً، "إن الغرض الأوحد، و الذي يمكن للحكومة من خلاله بحق أن تمارس القوة على أي فرد من أفراد مجتمع مدني ضد مشيئته و إرادته هو منع الأذى عن الآخرين".

أعلاه هو ما يطلق عليه الـ Harm Principle أو مبدأ الضرر، و هو حقيقة المبدأ الذي يقف عليه كتاب مل بأكمله، و هو مبدأ لا تنتهجه السلطات في البلاد سواء السياسية منها أو الدينية، كما أني لا أعتقد المبالغة عندما أقول بأن ثقافاتنا هي أيضا لا تتسامح و مبدأ كذلك.

اقتباس رائع آخر لمل يوضح التحفيز الكبير للتعددية و حرية الرأي و التعبير من قبل الليبرالية هو قوله، "لو أجمعت البشرية بأكملها على رأي واحد معين، و اتبع فرد واحد فقط الرأي المضاد لذلك الرأي الأول، فإن البشرية بأجمعها لن تكون عادلة في محاولاتها لإسكات ذلك الشخص تماما كما لن يكون من العدل أن يحاول ذلك الفرد إسكات البشرية إن هو امتلك القوة لفعل ذلك".

يشنع مل على من يحارب حرية الرأي و التعبير، و يرى في ذلك جهلاً عظيما، فهو يردف تعليلاً رائعا لذلك، و هو يبدع من خلال ذلك، فهو منطيق بارع على أية حال فيقول، "لأنه إذا كان رأي ذلك الفرد حقا و صحيحا، فإن البشرية تخسر فرصة استبدال الباطل بالحق. أما إذا كان ذلك الرأي باطلاً، فإن البشرية تخسر أيضا ما هو ذا منفعة مماثلة، و تلك المنفعة هي : التصور الأخلص و الأصفى و الأنقى للحق نتيجة تصادمه و الباطل".

يلتفت مل للشأن السياسي قليلاً، و يسطر درسا رائعا في جملة بسيطة و يقول، "في السياسة، فإن وجود حزب ينادي بالاتزان و التماسك (يقصد المحافظين)، و وجود آخر ينادي بالإصلاح و التقدم (الليبرالي) هو أمر شائع لضمان تسيير صحي للحياة السياسية".

الاقتباس أعلاه و لعمري من أجمل ما سطر مل في كتابه، فهو يكشف لنا عن شخصية فيلسوف يلتزم فلسفته و مبادئه. فيلسوف "يعيش فلسفته"، و هو -أي الفيلسوف الذي يعيش بفلسفته- هو الفيلسوف الحق كما قال نيتشه. فجون ستوارت مل كما نلحظ لم يدعو إلى التخلص من المحافظين (على الرغم من معارضته الشديدة لهم)، بل إن عقليته المدركة بعدم امتلاكه للحقيقة المطلقة تجعله يقر بضرورة وجود الآخر المختلف لضمان انتفاء الدوغمائية المهلكة، لأن الحقيقة على الأرجح ضمن أمور الحياة العملية ليست إلا توفيقاً و ربطاً للمتناقضات، كما يشير هو.

اقتباس آخر لمل عن "الحرية" يذكرني بآخر لباروخ سبينوزا يقول فيه، "إن الحرية لازمة للتطور و التقدم في العلوم و الفنون"، و مل لا يبخل على قراءه بعبارة لا تقل فطنة و حكمة و يقول، "إن العبقري لا يمكنه التنفس إلا ضمن مناخ يتسم بالحرية". و ما زلنا نتساءل : لم يغيب الإبداع العلمي و الفني لدينا.

يعرج مل مرة أخرى على مسألة التعددية و يشنع على أي محاولات لقتلها أو انتهاكها، و يرى أن التعددية حتى لو انحصرت في "الأذواق" فهذا سبب كافٍ لعدم "ضرب و خلط" البشر للخروج بـ "موديل" واحد يجمعهم و يشملهم.

يؤكد مل على أهمية "الفردانية" و أساسيتها في تقدم و تطور الأمم و الشعوب فيقول، "يبدو على أمة معينة التقدم و التطور، و من ثم و فجأة : تتوقف ! متى توقفت ؟ عندما كفّت عن الحفاظ على الفردانية و قيمها".

لا يتناسى مل العنصرية، و يؤكد على وقوعها على النقيض من الليبرالية و تعدديتها و يتسائل و يقول، "ما الذي يجعل عائلة الأمم الأوروبية عائلة متقدمة و ليست ثابتة متصلبة ؟ الإجابة ليست امتيازا خاصا قد امتلكه الأوروبيون عن بقية البشر، و حتى لو امتلكوه فسيكون نتيجة و ليس سببا. إنما الإجابة على ذلك السؤال هي التعددية و التنوع المدهش المتناهي في شخصياتها و ثقافاتها". صورة مع التحية لجماهير مقولات "طرش بحر" و 07 و "و بدوي" و "خضيري" و "عبد" و "ليبرالي" و "علماني" و "شيعي" و "صوفي" و غيرها من المسميات الفارغة الجاهلة التي لا يقصد منها الإشارة و إنما التعنصر العرقي/الفكري/الطائفي/الديني المقيت.

درس آخر يسطره مل هو مُقتبس كما يذكر من الفيسلوف و فقيه اللغة الألماني فيلهلم فون همبولت عن شرطين لازمين و ضروريين للتقدم الإنساني : الحرية، و التنوع في المواقف.

كلمات تسطر بالذهب !

يخصص مل فصلا كاملا للحديث عن حدود سلطة المجتمع على الفرد، فهو يرى سلطة للمجتمع على الفرد بحكم أن الفرد ينتفع من حماية المجتمع له، و لكن تلك السلطة محدودة بالحماية ضد التصرف الفردي الذي يضر بمصالح الآخرين فقط. أما ما عدا ذلك، فإن للفرد الحرية القانونية و الاجتماعية للقيام بأي تصرف ما دام أن ذلك الفرد ذو عمر قانوني معين و بصحة عقلية جيدة.

قد يتساءل البعض : ماذا لو لاحظ المجتمع على أحد أفراده عملاً فرديا شخصيا لا يقوم على ضرر بالآخرين ولكنه لا يتفق و عاداتهم أو تقاليدهم، أو عملا يثير فيهم الاشمئزاز، فما العمل إذن ؟ يجيب مل على هذا السؤال و يقول : في هذه الحالة، لا بأس على أفراد المجتمع محاولة التواصل و ذلك الشخص، و مساعدته ربما في اتخاذ القرار المناسب أو الحكم الأخلاقي الأفضل، و لكن في النهاية الشخص ذاته هو الحَكم و هو من يتخذ القرار، لأن جميع الآثام أو الأخطاء المحتملة ضد ما تلقاه من نصح و تحذير لا تتجاوز أبدا الشرور الناتجة عن فرض الغير عليه ما يرون هم فيه خير له !

لا يدع مل مجالا للتفسيرات و التأويلات لكتابه، فيستمر في الشرح و التفصيل (لدرجة مملة أحيانا)، و يضيف على القطعة السابقة و يقول، "لنا حق أيضا، و بطرق متعددة، أن نعبر عن عدم ارتياحنا لرأي أو فعل شخصي لأحد أفراد المجتمع، و لكن ليس باضطهاد فردانيته، و لكن بممارسة فردانيتنا نحن من خلال تجنب ذلك الشخص و ربما إبلاغ الآخرين بأفعاله و أنها باعثة على الاستياء إن كنا نرى فيه قدوة سيئة لهم". و في مقطع آخر يكتب مل، "إن الشعور بالاستياء و عدم الراحة الناتج عن تصرف شخصي لفرد معين هو شعور بإمكان المجتمع تحمله من أجل و في سبيل المنفعة العظمى : الحرية !".

يرى مل أن المجتمع قد ملك السلطة على الأفراد طوال فترة طفولتهم و مراهقتهم، و هي فترة كافية للمجتمع لتعريف و تعليم أولائك الأفراد ما يراه كـ تصرفات عقلانية متماشية و عادات المجتمع و تقاليده. أما إن تجاوز الفرد تلك المرحلة العمرية، فهو مخول لاتخاذ قرارته الشخصية بنفسه بما يحكم عليه عقله و منطقه لأن المجتمع -كما يقول مل- الذي يعامل مختلف أفراده و كأنهم مجرد أطفال في حاجة للوصاية من غيرهم إلى الأبد هو مجتمع لا يلم إلا نفسه على الشرور و السلبيات المحتملة لذلك.

يسمي مل حرفياً الوسائل العادلة و القانونية التي يمكن للمجتمع أن يتبعها في تعامله مع التصرفات الشخصية البحتة للأفراد و التي لا تتوازى و تقاليد أو عادات ذلك المجتمع أو التي لا تترك انطباعا جيدا لديه و هي : النصيحة، التعليم، الإقناع، أو التجنب إذا كان ضروريا. انتهي ! (هل يُعقل أنه نسي الاعتقالات، التعهدات، الصدم بالسيارات الرباعية، الطعن بالسكاكين، الحجب، المطاردات لحلق الشعر...إلخ ؟).

يضرب مل بمطرقته على مسمار أساسي للغاية و هو "الذريعة" الوارد صيغة جمعها في مبدأ "سد الذرائع" الإسلامي، ويقول : إن مجرد احتمال وقوع ضرر ما لمصالح الآخرين لا يجب أن يكون سببا عادلاً لتدخل المجتمع في تصرفات الأفراد الشخصية. (قيادة المرأة للسيارة كأنموذج).

سمعتُ عن توجه حكومي لزيادة أسعار السجائر رغبة في "التقليل من استهلاكها" لأهداف صحية. كنت أحد المستائين حقيقة من هذا الخبر، و الذي بدا لي مجرد تسمية أخرى لـ "ضريبة" أخرى لأني غير مدخن على أية حال، و لأن التفحيط و غيره يودي بالكثير من حياة شباننا "و لا من شاف و لا من دري".

تخيل عزيزي القارئ أن مل يعرج على أمر مشابه و يقول : إن فرض الضرائب على المنبهات و المنشطات فقط لجعل هدف الحصول عليها أصعب و أشق هو أمر لا يختلف عن منعها بالكامل و هذا يدخل تحت إطار اضطهاد ما هو في الحقيقة أمر شخصي فردي يخص المدخن. (طبعا التدخين في الأماكن المغلقة على سبيل المثال هو أمر آخر لأن فيه ضرراً بالآخرين و بذلك يخرج عن نطاق الحرية الشخصية، فـ للسلطة منعه بكل عدالة، كما أن استيائي من هذا الأمر لا ينحصر على الإخلال بمبدأ الضرر و لكن لأن الأمر فيه ملئ لجيوب معينة بالمال بدون وجه حق).

و لعل مل يفهمني فيواصل و يقول : إن كان فرض الضرائب على المنبهات و المنشطات لزيادة دخل الدولة، فهذا أمر قد يمكن القبول به على شرط أن "يُقابل بموافقة و تصديق" - أعتقد واضحة.

يذهب مل لفحص حالات متطرفة بخصوص موضوع كتابه كمسألة العبودية فيقرر أنه ليس من الحرية إطلاقا أن يضع الفرد نفسه تحت العبودية لأن ذلك يقتل الحرية، و ليس من مبدأ الحرية أن تكون حرا لكي تكون غير حر ! (بس حنا ما عندنا عبودية ! لا يا شيخ ؟ فكر زين يا بعدي !).

قبل أن أنتهي، أود التأكيد -كما أكد مل- أن التعامل مع أفراد المجتمع كأطفال في حاجة إلى وصاية الحكومة أو أي سلطة أخرى يمنع أفراد ذلك المجتمع من تمرين عقولهم، و أعضاءهم النشطة، و ممارسة إطلاق الأحكام الأخلاقية ضمن أسس مستقلة منطقية عقلانية، و التعامل الأمثل مع قضايا يفترض أن تكون مألوفة غير صادمة.

مجتمع لا تتوفر في أفراده تلك الصفات، ماذا نتوقع منه ؟

و تذكر عزيزي القارئ،

"المعقول هو : القابل للحياة و الواقع" - هيجل.

الاثنين، 28 فبراير 2011

ما هو المطلوب ؟ و لماذا ؟


أحداثٌ رهيبة عاصفة هي التي تمر بها المنطقة العربية ابتدأت في تونس الخضراء مروراً بأرض الكنانة و حالياً في ليبيا التي تمر بمخاض عسير أسأل الله تعالى أن يخرج أهلها منه منتصرون على الطاغية و أعوانه و زمرته.

ذلك الصفيح الساخن يزداد سخونة مع الأيام ليشمل اليمن السعيد و عمان في الصراع الفطري نحو الحرية و العدل و المساواة، و هو صراع أتمنى للشعوب المظلومة المسحوقة الانتصار فيه و استرداد الكرامة !

و هنا قد أتساءل : لم أنا متفاجئ، و لم أنا لست متفاجئا في الوقت ذاته ؟

أما عنصر المفاجأة، فهو يعود إلى كوني لم أتوقع العيش و شهادة هذه اللحظات التاريخية التي تمر بها البلدان العربية، و التي تئن أكثر من غيرها من وطأة الحكم العجائزي الأوتوقراطي و الذي لا ينتهي إلا بـ "توقف الوظائف الحيوية" لذلك الكائن إيذانا ببداية الحلقة التالية لمسلسل "توريث" و الذي يعرض حصريا على قناة الشرق الأوسط العربي.

أما بالنسبة لـ عنصر عدم المفاجأة فهو نتيجة ما نشهده من حكومات فاسدة للغاية، هرمة، و مصابة بداء العجز في عالم يسوده الشباب المتطلع المتحمس للانطلاق في الفضاء الرحب، فما يلبث ذلك الشباب إلا أن تتصطدم أحلامه بـ واقع مرير مفروض عليه لم يكن له في اختياره لا ناقة و لا جمل !

إن أصداء الثورات المتتالية و المتعطشة للحرية قد ترددت في جميع أركان العالم بإسقاط اثنين من الديكتاتوريين، فأصبحت البلاد العربية مرادفة لكلمة الحرية عندما تُذكر.

هذا و نحن في السعودية أقرب لأشقاءنا العرب المناضلين ليس فقط جغرافيا، بل من نواحٍ عدة كـ التركيبة الاجتماعية و الثقافية و الطبيعة العامة السياسية. لذلك، فإن أصداء هذه الانتفاضات لها وقع أشد على المسامع من عرعر إلى نجران و من الدمام إلى جدة (التي أتمنى أنها جفت الآن).

إن الموجات المتعطشة للحرية لا تستثنينا نحن السعوديون we are no different من البلدان المجاورة كما أوضحت سابقا، و لا أبالغ إن قلت بأن الأحداث العربية قد أيقظت سباتا شعبيا هزت من خلاله قناعات و مسلّمات قد رأت في الوضع الداخلي كينونة دائمة باقية غير قابلة للنقاش ! فـ جاءت ردات فعل مختلفة من المواطنين السعوديين تمثلت في الآتي :

- فرقة وطنية مخلصة يقظة منذ عقود رأت في الأحداث مؤشراً للانطلاق في المطالبات المشروعة و قامت بلا كلل و لا كسل بإنشاء عريضة إصلاحية لا أبالغ إن قلت أن تحقيقها هو غاية و أمنية كل مواطن سعودي، و أستثني من ذلك : الفرد التقليدي و الذي لا يتمتع بعقلية مستقلة فهي محتلة بآراء "مشايخ" رأوا فيها قدسية عنوانها السماء، أو مجرد منتفع من الأوضاع الحالية قد أصبح أسيرا لأنانيته الجاهلة !

فـ المطلوب الوارد في عنوان هذه التدوينة هو ما قدمه هؤلاء الأفاضل في عريضة أقدم رابطها الإليكتروني و أحث الجميع على التوقيع و المشاركة فيهما :


الفرقة الأخرى سآتي على ذكرها و أنا أحاول الإجابة على الشق الثاني من السؤال : لماذا ؟

نظام بلادنا الحبيبة هو ما يسمى بـ "الملكية المطلقة" أو الـ absolute monarchy و هو حقيقة نظام لم يعد يحقق التطلعات و لن يفعل، بكل صراحة، فـ لست و غيري من أبناء هذا الوطن بأقل وعياً من Craig Ferguson الذي اندهش بـ حقيقة وجود الفقراء في أعظم مصدر للنفط في العالم ثم ما لبث أن تلاشت دهشته تلك عندما أشار للنظام السياسي بأنه يعود للقرن الحادي عشر الميلادي !

يبدو أن كريق فيرجسون يتفق مع المخضرم فرانسيس فوكوياما و الذي أعلن نهاية تاريخ قد تنبأ به هيجل و علامته -وفقا لفوكوياما- هو ظهور الديمقراطية الليبرالية الغربية و هي التي لا ينافسها في إيجابياتها أحد خصوصا بعد الهزيمة المدوية للاتحاد السوفييتي نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم و انحسار آيديولوجياته الشيوعية و الاشتراكية. فمن ذلك استنتج أن أي تخلف عن ذلك هو تخلف عظيم مركب عن أقصى إنجازات البشرية، فهل نحن متخلفون ؟ أترك الإجابة لكم.

أيضاً، فإن في تبني ما ورد في عريضة الإصلاح قطعٌ الطريق على الفرقة الأخرى، و هي مجموعة من المتربصين المجهولين و الذين لا يكنون في أنفسهم خيرا لهذا البلد مستغلين إحباط الشباب لتوجيههم في مسيرات لا نعلم ماذا ستؤول إليه. حتى الآن، فهناك آلاف المؤيدين لما أسموه بـ "يوم حنين" و المقرر أن يكون الجمعة الحادي عشر من مارس و هو ليس عنا ببعيد !

تبني القرارات الواردة في العريضة سيكن له وقع جميل جدا في نفوس المواطنين من أبناء بلدنا العزيز، و فيه تخليد لاسم العائلة الحاكمة و ضمان أكبر لاستقرارها في ظل هذا العالم العاصف بـ متغيراته. هذا لأن المطالب مشروعة كونية فطرية، فمن يعارض تحقيق العدالة و المساواة و الحرية ؟ شرعية هذه المطالب يجعلها "حتمية" و لو بعد حين إن لم تكن مباشرة التنفيذ.

القياديون في هذا الوطن الواعد هم بالتأكيد حريصون عليه و على مكتسباته، و سيتخذون كل ما من شأنه تحقيق الرفعة و الأمن و التقدم و السلام لهذا البلد، و سيقطعون الطريق على كل من يحاول التربص بهذا الوطن و أبناءه. هذا يكون بالاستجابة السريعة الفورية لما ورد في العريضة. أقول هذا على الرغم من ردة الفعل السلبية التي اتُخذت نحو عريضة الإصلاح و المتمثلة في "حجب" موقعها ! و يا له من تصرف رائع !

هذا و حمداً لله على سلامة الأب القائد أبي متعب و الذي أتمنى من الله تعالى أن يمده بوافر الصحة و العافية، و أن يعينه على تحقيق كل ما فيه خير للبلاد و العباد.

الأحد، 20 فبراير 2011

راند، و الموضوعانية اللاموضوعية !


الشخصية التي أود أن تكون مدار حديثي هي لـ آين راند. سيداتي سادتي آين راند هذه كانت كاتبة مقالات و روايات هاجرت من روسيا و استقرت في أميركا، و هي أيضا مشهورة بالتفلسف لما يسمى بـ "الموضوعانية" أو Objectivism، و هي فلسفة يدور حولها لغط كثير في المجتمع الفلسفي حتى أن مدققي الإملائي لا يتعرف عليها !

السيدة راند تعرفت عليها صدفة عندما كنت أبحث في مكتبة الجامعة عن كتاب فلسفي عام، و ظهر لي من خلال نتائج البحث كتاب "الفلسفة : من يحتاجها ؟" Philosophy: Who Needs it? لـ هذه السيدة، و قد عزمت على قراءته و الاطلاع عليه.

بعدها بمدة وقعت على مقطع فيديو للسيدة راند و هي ضيفة في أحد البرامج في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم، و قد كان الحوار يدور حول نقاط مختلفة، ثم أتبع ذلك طرح أسئلة من الحاضرين، و قد كان أحد الأسئلة يسأل عن رأي السيدة راند حول السياسة الخارجية الأميركية و موقفها إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي.

راند بدأت بالإقرار بأنه "لا أحد يعلم ما الذي يحصل في الشرق الأوسط" قبل أن تقوم بشجب الممارسات الخارجية الأميركية، ثم ما لبثت عن إعلان تأييدها المطلق لإسرائيل. في الحقيقة كنت محبط للغاية و تملكتني الصدمة المفاجئة. إنه من الصعب حقيقة أن تنظر إلى أحدهم بنظرة معينة ثم يحطمها بإظهار العكس، "غلطة الشاطر بعشرة" !

طبعاً، هي حرة باتخاذ أي رأي، و أنا حر في ردة فعلي ما دام أنها على المستوى الفكري و على مستوى الآراء. المشكلة هي في الحقيقة هو في تبريرها و الذي لا أحسبه تبريراً بقدر ما أراه جهلاً "قد أقرت به بداية" و عنصرية من كاتبة، و فيلسوفة للأسف !

تقول : أن رأيها هذا يستند إلى أن إسرائيل دولة متقدمة تكنولوجية مدنية في مواجهة بشر بدائيين متوحشين همج عنصريين لم يتغيروا منذ سنين و يمقتون إسرائيل "لأنها دولة متقدمة صناعيا و تكنولوجيا" ! تقول هذا و أنا مشدوه لكمية المغالطات الواردة.

حسنا، أخاطب روحك هنا سيدة راند اللافانية -كما يرى أفلاطون- و أقول :

1- منذ متى و كان "التقدم المدني/الصناعي/التقني" أساسا يُستند إليه في اتخاذ الأحكام الأخلاقية و حتى أقف مع أحدهم دون آخر ؟ لن أذكر أي أمثلة لأن هذا "اللامنطق" متهالك جدا يا سيدة راند فبإمكان أي قارئ إيراد أمثلة لنفسه لنقض ادعاءك.

2- من قال أن سبب المشكلة هنا هو "تقدم إسرائيل" المحظوظة بديمقراطيتها و نزاهة سياساتها الداخلية و المدعومة بالمليارات الخارجية ؟ سيدة راند : You're missing the point, or trying to! الصراع العربي الإسلامي مع إسرائيل واضح سببه و مسبباته بدون أن أخوض فيه.

إجابتها تلك و مناقشتها متهافتة و متهالكة جداً ! حتى المذيع "انهبل" من إجابتها، و رماها بعدم الموضوعية عندما لم تتسامح و وجهة نظر أحد الحاضرين ممن اختلف معها ! في الحقيقة، أشعر بأني أسرفت في الحبر الإلكتروني لكتابة هذا الموضوع !

هذا المقطع لمتقني الإنجليزية : http://www.youtube.com/watch?v=2uHSv1asFvU

و اعترافاً بالجميل و الموقف الرائع الذي قدمه السيد المذيع، أود أن أشدد على نقطة بالغة الأهمية : الشعب الأميركي (أغلبه) شعب رائع جداً، و أخلاقه عالية و حسنه للغاية، و غالبا ما يكن الشعب في صف حقوق الإنسان و الديمقراطية و التعددية و الحرية. هذه حقيقة و حق علي أن أدلي بها.

طبعا الحكومة الأميركية هي شأن آخر مختلف تماما. حكومة مفرطة جدا بالبراغماتية اللاأخلاقية لدرجة أنك قد تسمع البعض من العامة من الأميركيين يقول : كيف استطاع أحدهم السماح لنفسه بالعمل في السياسة ؟ إنها مجال لاأخلاقي البتة !

فليبارك الرب الشعب الأميركي، و ما زلت عند وعدي لنفسي بقراءة كتاب آين راند فأنا كعربي لستُ كما وصفَتْ قومي !